الاقتصاد السعودي

استكشاف التعدين في السعودية يقفز 7 أضعاف لكن الفجوة قائمة

يتسارع تطوير قطاع التعدين في السعودية، مع ارتفاع ميزانيات الاستكشاف بنحو 7 أضعاف خلال ثلاث سنوات، إلا أن حجم الإنفاق لا يزال دون مستويات الدول التي يشكل فيها التعدين ركيزة اقتصادية رئيسية، وفق تقرير حديث صادر عن “إس آند بي غلوبال ماركت إنتيليجنس”.

ويشير التقرير إلى أن ميزانيات الاستكشاف في دول تعدين راسخة مثل أستراليا وكندا تتجاوز مليار دولار سنوياً، مقابل نحو 146 مليون دولار فقط خصصت للاستكشاف في مواقع التعدين بالسعودية خلال 2025.

ومع ذلك، يمثل الرقم قفزة كبيرة تمثل سبعة أضعاف مقارنة بنحو 21 مليون دولار في 2022، ما يعكس تسارع العمل على نقل الموارد المعدنية من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج الاقتصادي في المملكة، في إطار مسعى لترسيخ التعدين كركيزة طويلة الأجل في الاقتصاد السعودي.

الفجوة في ميزانيات الاستكشاف أيضاً يواجهها قطاع التعدين عالمياً، إذ تقدر مؤسسات احتياجات الاستثمار في التعدين بنحو 5 تريليونات دولار خلال السنوات العشر المقبلة.

رهان على الذهب والنحاس

مع تسارع الإنفاق على الاستكشاف، تتضح أولويات المملكة في توجيه هذه الاستثمارات، إذ استحوذ الذهب على 72% من ميزانية الاستكشاف في 2025، مقابل 23% للنحاس، في توجه يربط التعدين السعودي مباشرة بالطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالطاقة، والبنية التحتية، والتقنيات المتقدمة. 

ويعزز هذا الرهان ما تشير إليه تقديرات التقرير من أن احتياطيات الذهب في السعودية تكفي لنحو 40 عاماً، مقابل 15 عاماً للنحاس، ما يمنح القطاع أفقاً زمنياً داعماً للتوسع، رغم الحاجة إلى تسريع الاكتشافات الجديدة للحفاظ على الزخم.

في المقابل، يشير التقرير إلى أن معادن أخرى مثل الفضة والبوتاس واللانثانيدات لا تزال تجذب استثمارات، لكن تراجعت حصتها نسبياً، مع تركيز الاستراتيجية الحالية على الذهب والنحاس، في إطار سعي المملكة لدخول قائمة أكبر 20 دولة منتجة لهذين المعدنين عالمياً.

وكان وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف قال في حديث سابق مع “الشرق” إن هذا التوجه العالمي، بما فيه التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، رفع الطلب على المعادن، وفتح أمام المملكة فرصاً لاحتضان قدرات صناعية وتعدينية متقدمة.

من الاستكشاف إلى الإنتاج

يشير تقرير “إس أند بي” إلى أن 62% من ميزانية الاستكشاف وجهت إلى مواقع المناجم القائمة، في محاولة لتسريع تحويل الاكتشافات إلى إنتاج فعلي، وتعزيز الاحتياطيات القريبة من التشغيل. كما ارتفع عدد المشاريع التي جرى حفرها إلى 160 مشروعاً في 2024، مقارنة بـ58 مشروعاً في 2023، في إشارة إلى انتقال القطاع من مرحلة التحضير إلى التنفيذ المكثف.

وتضم السعودية حالياً 24 مشروع استكشاف و17 مشروعاً متقدماً، مدعومة بإصلاحات تنظيمية، شملت خفض الضريبة على قطاع التعدين من 45% إلى 20%، ما عزز جاذبية القطاع للمستثمرين الدوليين. وكان الخريف قد أوضح في حديثه مع “الشرق” أن هذه الإصلاحات أسهمت في توسيع قاعدة الشركات العاملة في أنشطة المسح الجيولوجي والخدمات المرتبطة بالقطاع.

ومع توسع النشاط التعديني واقترابه من مراحل الإنتاج، تتزايد الحاجة إلى أدوات تسعير وتمويل أكثر تطوراً لإدارة تقلبات الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، تستعد السعودية لإطلاق “بورصة للمعادن”، لتعزيز استقرار الأسعار، وجذب خبرات عالمية، وربط القطاع بالأسواق الدولية.

تحديات التنفيذ

ورغم الإصلاحات التي رفعت موقع السعودية على خريطة التعدين العالمية، يحذر تقرير “إس أند بي” من تحديات لا تزال قائمة، تشمل متطلبات الحوكمة والشفافية، والالتزام بمعايير البيئة والاستدامة، إضافة إلى ندرة المياه والحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية بالمناطق النائية.

كما يشير التقرير إلى أن ارتفاع الإنفاق لا يضمن بالضرورة اكتشافات جديدة، في ظل تعقيدات جيولوجية ونقص البيانات التاريخية في بعض المناطق، إلى جانب تحديات مرتبطة بنقص الكفاءات وسلاسل الإمداد.

وتستهدف رؤية 2030 رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 240 مليار ريال (نحو 64 مليار دولار) بحلول نهاية العقد، مع توفير 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وجذب 27 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة، في مسعى لتحويل التعدين إلى ركيزة ثالثة للاقتصاد بعد النفط والبتروكيماويات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى