بالأرقام.. كيف تحدى اقتصاد السعودية الفصل الأول من حرب إيران
لم يخرج اقتصاد السعودية من الأشهر الأولى لحرب إيران بلا خسائر. فقد تباطأ معدل النمو، واتسع عجز الموازنة إلى أعلى مستوياته منذ 2018، وتعرض القطاع النفطي لضغط واضح مع إغلاق مضيق هرمز. لكن الصورة التي اتضحت مع توالي بيانات الربع الأول وشهر أبريل تكشف عن اقتصاد استطاع امتصاص الصدمة بصورة أفضل من معظم الدول المتضررة من الصراع.
ورغم أن الأرقام لا تقول إن المملكة محصنة بالكامل، فهي تُشير إلى أن الضربة لم تتحول إلى توقف اقتصادي واسع، أو حتى ركود تضخمي. بقي النمو الاقتصادي إيجابياً، والاحتياطيات الأجنبية قُرب أعلى مستوياتها منها أعوام. أما عجز الموازنة، فبرغم حجمه، فقد عكس جزئياً خياراً متعمداً لدى صانعي السياسات بالإبقاء على زخم الإنفاق بدلاً من الانكفاء أمام الصدمة.
نستعرض في هذا التقرير أربعة مؤشرات تعكس مرونة الاقتصاد الأكبر في العالم العربي:
مفاجأة الميزانية لم تكن في العجز!
العجز لم يكن المفاجأة الرئيسية في ميزانية الربع الأول. ولكن المفاجأة كانت في ارتفاع الاستثمار الرأسمالي بأعلى وتيرة مقارنةً بالفترة ذاتها خلال الأعوام العشرة الماضية على الأقل، أي منذ إطلاق “رؤية 2030“. تيم كالن، المدير الأسبق لبعثة السعودية لدى صندوق النقد الدولي، قال إنه لا يتذكر آخر مرة رُصد فيها هذا النمو في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، والتي عادةً ما يكون الإنفاق الرأسمالي فيها معتدلاً.
معلومات “الشرق” أشارت إلى أن الإنفاق الرأسمالي، والذي يُشير عادةً إلى الاستثمار في مشاريع وأصول طويلة الأمد، شمل تسريع الإنفاق على الخدمات اللوجستية والمواصلات في إطار جهود الحكومة لإنشاء ممرات تجارية تربط موائئ البحر الأحمر ببقية المملكة ودول الخليج العربي لتأمين طرق بديلة للتجارة. كما ارتفع الإنفاق العسكري 26%، وقفزت مصروفات الدعم في ظل تفضيل الحكومة الحفاظ على استقرار أسعار الوقود، بحسب محللين
يعكس العجز أيضاً انخفاض أسعار النفط نسبياً في شهري يناير وفبراير، وهو ما يعني أن الإيرادات النفطية مرشحة للزيادة بقوة في الفصل الثاني وبقية العام، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وقدرة المملكة على تصدير نحو خمسة ملايين برميل يومياً عبر ميناء ينبع، مستغلة خط أنابيب “شرق-غرب”.
النمو يتباطأ مع النفط … لكنه بقي إيجابياً
نما الاقتصاد السعودي 2.8% على أساس سنوي خلال الربع الأول، وهو أبطأ معدّل منذ منتصف 2024. الرقم لم يكن مفاجئاً، بسبب تراجع إنتاج النفط مع بداية شهر مارس.
غير أن الاقتصاد لم ينكمش رغم صدمة تعطل الملاحة في أهم ممرات الطاقة في العالم، وهو ما يعكس قدرة “أرامكو” السعودية على تشغيل “خط شرق-غرب” بسرعة، إضافة إلى الدعم الحكومي الذي حافظ على مستويات الطلب الخاص.
جدير بالذكر هنا أن الأنشطة الحكومية سجلت نمواً بـ1.5%، بعد انكماشها في الربع الرابع، في حين نمت القطاعات غير النفطية بمعدل 2.3%. كما سجل مؤشر مديري المشتريات، والذي يقدم صورة شهرية عن القطاع الخاص غير النفطي، نمواً في شهر إبريل بعد انكماش مؤقت في الشهر السابق.
التضخم لا يعكس “اقتصاد حرب”
أحد أكثر مؤشرات الصمود وضوحاً جاءت في بيانات التضخم. فقد تباطأ نمو أسعار المستهلكين في السعودية على أساس سنوي إلى 1.7% في شهر أبريل، مقابل 1.8% في مارس، معاكساً تياراً عالمياً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد.
تعكس البيانات قدرة المملكة على الحفاظ على استقرار أسعار الوقود المحلية من خلال تفعيل الإنفاق على الدعم في الموازنة، بالإضافة إلى استقرار السوق العقارية بعد التدخلات الحكومية التي استهدفت تنظيم السوق.
هذا لا يعني غياب الضغوط بالكامل، فقد ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1% على أساس سنوي، ولكنها بوتيرة أقل من مارس. وتوقع تقرير لـ”بنك الإمارات دبي الوطني” أن يبقى معدل التضخم في المملكة مستقراً هذا العام، مستفيداً من قوة الدولار والسياسات الحكومية.
الاحتياطيات تعكس متانة خطوط الدفاع المالية
بقيت الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي قريبة من أعلى مستوياتها في عدة سنوات خلال أبريل، رغم أثر الحرب على صادرات النفط في الشهر الأول من الصراع، لتسجل 494.8 مليار دولار، مقابل 496.3 مليار دولار في مارس.
ورغم تراجعها الطفيف، فقد ظلت الاحتياطيات أعلى بما يقارب الـ20 مليار دولار مقارنةً بمستويات شهر يناير، وهو ما يمنح الأسواق ثقة في قدرة المملكة على تمويل الواردات وحماية الاستقرار النقدي ومواجهة تقلبات سلاسل الإمدادات.



